ابن تيمية
30
منهاج السنة النبوية
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ : أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُتَوَلٍّ عَلَى عِبَادِهِ وَأَنَّهُ أَمِيرٌ عَلَيْهِمْ ، جَلَّ جَلَالُهُ ، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ ، فَإِنَّهُ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ ، وَرَبُّهُمْ وَمَلِيكُهُمْ ، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، وَلَا ( 1 ) يُقَالُ : إِنَّ اللَّهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، كَمَا يُسَمَّى الْمُتَوَلِّي ، مِثْلُ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ : أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَلِ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا لَا يُقَالُ إِنَّهُ مُتَوَلٍّ عَلَى النَّاسِ ، وَإِنَّهُ أَمِيرٌ عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّ قَدْرَهُ أَجَلُّ مِنْ هَذَا . بَلْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَكُونُوا يُسَمُّونَهُ إِلَّا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ مِنَ الْخُلَفَاءِ " أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ " هُوَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ كَانَ أَمِيرًا فِي سَرِيَّةٍ ، فَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَكِنْ إِمَارَةٌ خَاصَّةٌ فِي تِلْكَ السَّرِيَّةِ ، لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ بِإِمَارَةِ الْمُؤْمِنِينَ عُمُومًا قَبْلَ عُمَرَ ، وَكَانَ خَلِيقًا بِهَذَا الِاسْمِ . وَأَمَّا الْوَلَايَةُ الْمُخَالِفَةُ لِلْعَدَاوَةِ فَإِنَّهُ يَتَوَلَّى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ ; فَيُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ، وَيَرْضَى عَنْهُمْ وَيَرْضَوْنَ عَنْهُ ، وَمَنْ عَادَى لَهُ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَهُ بِالْمُحَارَبَةِ . وَهَذِهِ الْوَلَايَةُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ ، لَيْسَتْ كَوِلَايَةِ الْمَخْلُوقِ لِلْمَخْلُوقِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ . قَالَ تَعَالَى : { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ } [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 111 ] . فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ وَلِيٌّ ( 2 ) مِنَ الذُّلِّ ، بَلْ هُوَ الْقَائِلُ : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا } [ سُورَةُ فَاطِرٍ : 10 ] بِخِلَافِ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَتَوَلَّاهُ لِذَاتِهِ ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ يَنْصُرُهُ .
--> ( 1 ) س ، ب : لَا . ( 2 ) م : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ وَلِيٌّ ، س ، ب : فَاللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ .